أعمدة الرأي

الصحافة بين رسالة والسخافة والتفاهة

بقلم : صحفي خالد أمين

بقلم :صحفي خالد أمين

 

 

 

 

في زمنٍ كانت فيه الصحافة تُعدّ سلطة رابعة، وحارسًا أمينًا للحقيقة، تحوّل جزءٌ كبير من المشهد الإعلامي اليوم إلى مساحةٍ للسخافة والتفاهة، حيث يُستبدل العمق بالإثارة، والمعرفة بالضجيج، والمسؤولية بعدد المشاهدات.

 

المقلق في الأمر أن كثيرًا ممن اقتحموا مجال الإعلام والصحافة لم يمرّوا عبر بوابة التكوين الأكاديمي أو التدريب المهني، بل دخلوا المهنة مدفوعين بسهولة النشر، وانتشار المنصات الرقمية، وغياب معايير واضحة تضبط من يحق له أن يُسمّى “صحفيًا”. فصار الإعلام، في بعض تجلياته، مهنة من لا مهنة له.

 

لم تعد الأولوية للبحث والتحقق من المعلومة، ولا لصياغة السؤال الصحيح، بل أصبحت للسبق الزائف، والعناوين الصادمة، والمحتوى الفارغ الذي يُسوَّق على أنه “ترفيه” أو “ترند”. وهكذا تُصنع التفاهة يوميًا، وتُقدَّم للجمهور على أنها مادة إعلامية، بينما هي في حقيقتها إساءة للوعي العام ولأخلاقيات المهنة.

 

إن غياب التكوين لا يعني فقط ضعف اللغة أو الركاكة في الأسلوب، بل يتجاوز ذلك إلى غياب الحسّ المهني، وعدم إدراك خطورة الكلمة، وتأثير الصورة، وقدرة الإعلام على توجيه الرأي العام، إمّا نحو البناء أو نحو الانحدار.

 

الصحافة ليست مجرد كاميرا وهواتف ذكية، ولا حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي معرفة، ومسؤولية، والتزام بقضايا المجتمع. وعندما تُفرغ من هذه القيم، تتحول إلى أداة لهدم الذوق العام، وتشويه الحقيقة، وتطبيع الرداءة.

 

إن إنقاذ الصحافة من مستنقع السخافة يبدأ بإعادة الاعتبار للتكوين والتدريب، وفرض معايير مهنية صارمة، وتشجيع المحتوى الجاد، ومساءلة من يسيئون للمهنة باسم الحرية أو الشهرة. فالإعلام الحر لا يعني الإعلام الفارغ، والصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الإعجابات، بل بعمق الأثر ونُبل الرسالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى