صورة غير عادية من يوم عادي

حجم الخط

محي الدين الوكيلي 
على غير عادته هذا الصباح، كان العربي متوترا، الساعة تشير إلى الثامنة، والأطفال لم ينتهوا بعد من تناول وجبة الفطور، صحيح أن المدرسة ليست بعيدة، لكن مصدر توتره أنه دأب على أخذ قهوة الصباح في المقهى المجاور لعمله، وقهوة الصباح فترة مقدسة عند العربي، إنه يعتبرها الفترة الوحيدة التي ينفرد فيها بنفسه، قد يقرأ صفحات من كتاب، قد يتجول بين نوافذ حاسوبه، وقد يحتسي قهوته وهو يتأمل المكان ليس إلا، المهم أنها فترة هامة بالنسبة للعربي.
كلما نظر العربي إلى عقارب الساعة، كان يزداد توتره،
– سلمى أسرعي يا ابنتي
– عادل أحمل محفظتك و انتظرني قرب السيارة
– يا سلومة (كما كان يحلو له أن ينادي أبنته الصغيرة) الله يهديك سربي
سلمى و عادل كانا يمثلان الكثير بالنسبة للعربي، إنهما الحلم و الأمل، من خلالهما يحاول العربي أن ينتقم من الظروف التي أجبرته أن يكبح جماح تطلعاته، من حلم رافقه منذ نعومة أظافره، حلم بخدمة الأرض التي لم يستطع أبواه أن يحصلا عليها، حلم خدمة القرية التي تكالبت عليها الطبيعة والمسيرون، إلى موظف في إحدى مرافق الإدارة. العربي لم يكن قط يتصور نفسه بين جدران المكاتب، كان يحلم أن يكون في الميدان، قرب المزارع و بين حقول القمح و إسطبلات الماشية. رائحة التراب كانت أحب إلى قلبه من أشهر العطور الباريسية. لكن الظروف غير الظروف، و الأحلام ليست بالضرورة كالواقع. الآن يعيش العربي واقعه وكله أمل أن يرى المستقبل في أبناءه.
يصر العربي أن يوصل شخصيا أبناءه كل صباح إلى المدرسة، ليست هناك أية قوة يمكن أن تمنعه من ذلك، قد يتنازل عن قهوة الصباح، قد يسرع على غير عادته، لا يستطيع مجرد التفكير في أن يوصل أحد غيره الأولاد إلى المدرسة.
الساعة الثامنة و عشرين دقيقة، سلمى و عادل داخل السيارة، قام العربي بجولة تفقدية للسيارة، الماء، الزيت، أوراق السيارة، الكل على ما يرام، انطلق الموكب في جو من الضحك و الهزل بين العربي و عادل و سلمى، عاد إلى العربي فرحه الطفولي، تمنى لو أن الطريق تطول، لكن بعد عشر دقائق كانت السيارة بباب المدرسة، نزل العربي، فتح باب السيارة لعادل و سلمى، ساعد سلمى في حمل المحفظة، أوصلهما بمدخل المدرسة، قبلهما معا، أشارا له بيديهما الصغيرتين، قبل أن يستديرا، سقطت دمعة حب ساخنة على وجنته، مسحها بلطف، عاد إلى السيارة، أدار المحرك، أوقف المذياع، و بهدوء تحركت السيارة و كأنها تعرف طريقها في اتجاه المقهى.
ركن العربي سيارته في ركن قريب قرب المقهى التي تعود أن يجلس فيها قبل الذهاب إلى العمل، أخذ لنفسه مكانا بالجهة الخارجية للمقهى، فهو لا يريد أن تعكر صفوة صباحه تعاليق القنوات التي اعتادت المقاهي تشغيلها، سواء منها من تقدم الأخبار السياسية أو الأخبار الرياضية. جاء النادل، قدم القهوة دون أن يسأل العربي، قهوة سوداء بدون سكر، اغتنم النادل الفرصة ليمازحه بكلمة أول كلمتين، وعاد إلى عمله ويترك العربي في خلوته.
سنوات مرت منذ تقلد العربي أول منصب بالإدارة التي يعمل بها الآن، في أول الأمر كل ما كان يهم العربي هو تحقيق استقلاله المادي، لكن مع مرور الوقت، بدأ عمله يأخذ معنى آخر، كلما ساهم العربي في تدليل عقبة لمواطن ما، أو لمقاولة كلما ترك في نفسه طعما خاصا، و كلما زاد هذا الطعم حلاوة كلما تفانى العربي في عمله. تسلق العربي الدرجات بسرعة، و من موظف في أول السلم، أصبح العربي إطار في المؤسسة، أكثر من ذلك، أصبح منذ مدة الذراع الأيمن لأحد المدراء. بالشكل الذي أصبح هذا المدير لا يتخذ قرارا دون استشارة العربي، و لا يؤشر على وثيقة دون بصمة العربي. كل هذا أعطى لعمل العربي طعما خاصا وشكلا يمكنه من نسيان نكساته الماضية.
دخل العربي إلى مكتبه فأخبروه أن شخصا ينتظره مند مدة، لم يتفاجأ العربي، فعادة ما يأتي بعض المرتفقين مبكرا طامحين في إنهاء كافة مستلزمات ملفاتهم بسرعة. طلب العربي من مساعدته أن تدخل الرجل، رجل تجاوز الأربعين بقليل، يلبس لباسا عصريا يعبر مظهره عن انتماء صاحبه إلى طبقة ميسورة، خاطب العربي بفرنسية تنم عن تمكن صاحبها من هذه اللغة:
– اهلا سيدي
– اهلا ماذا تريد؟
في بداية عمل العربي كانت له حساسية من هذا النوع من المرتفقين، لكن مع مرور الوقت، والنضج الذي أصبح عليه العربي، أصبح يعي أن لكل الحق في أن يختار نمط الحياة التي يريد، شريطة ألا يفرضها على الآخرين. بعد أن كان العربي كثير الأحكام المسبقة، أصبح الآن أكثر استعدادا لتقبل الآخرين كما هم وليس كما أرادهم أن يكونوا.
كان السيد يتكلم بثقة عالية، يكلم العربي وكأنه يعرفه من زمان. أخبره أنه جاء لينهي ملف صفقة كان قد وضع ملف ترشيحه لها. عاد العربي إلى ملفاته، بحث بين الملفات عن الملف موضوع الصفقة، ليعود بعد هنيهة ليخبر المقاول أن ملفه قد رفض مبدئيا لعدم توفره على الشروط اللازمة.
– أعرف ذلك، قال المقاول
علت كتلة من الإحمرار وجه العربي، لكن سرعان ما استعاد توازنه.
– و ماذا تريد؟
أخرج المقاول ظرفا أصفرا من محفظته، ووضعه على المكتب وهو لا يزال يحافظ على الثقة التي طبعت تصرفاته. فتح الظرف و قدمه للعربي.
– خذ. قال للعربي
نظر العربي إلى الظرف، كانت رزمات الأوراق المالية الزرقاء تظهر للعيان، لم يكن العربي محتاجا إلى عدها ليعرف أنها تفوق مرتبه لمدة تفوق الأربع سنوات. الصدمة كبيرة، وكان العربي يحتاج إلى الكثير من ربطة الجأش ليستوعبها. أخذ نفسا عميقا، عاد بفكره إلى الوراء، تذكر كل القيم التي ناضل من أجلها، فكر في المجتمع الذي يريده لأطفاله، و دون أن ينطق بجواب، نادى على الحارس الذي كان بالخارج، طلب منه أن يجلس بباب المكتب و لا يترك الشخص الذي بالداخل يترك المكان.
حمل العربي الظرف، و اتجه مباشرة نحو مديره، أعطاه الظرف، و شرح له حيثيات المقابلة، بطبيعة الحال استشاط المدير غضبا، و تساءل:
– من يعتبر نفسه هذا الرجل؟
– أيظن أن البلاد لا زالت في زمن السيبة؟
شكر المدير العربي على صنع فعله و تبصره، رافقه إلى مكتبه و طلب من الشخص أن يرافقه و علامات الغضب بادية على محياه. لاحظ العربي أن الشخص إياه لم يبدو عليه أي تأثر، لكن لم يعط اهتماما للأمر. فقد كان مزهوا بما قام به، ولا يريد أن يعكر صفوة هذا الفرح أي شيء آخر. من شدة رضاه عن نفسه غادر العربي العمل مبكرا، خصوصا وأن اليوم يصادف اليوم الذي يغادر أبناءه المدرسة على الساعة الثانية عشرة زوالا.
عاد بأبنائه إلى المنزل، وأخذ حيزا مهما من الوقت يحدث زوجته وأبناءه على حادث اليوم، وكيف أنه لم يكن محط إغراء عكس ما كان يظنه صاحب الرشوة، فسر لأبنائه أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم دون أن يتحمل كل مواطن مسؤوليته، كان شعور الرضى والفخر باديا على زوجته وأبناؤه وهم يستمعون إلى الاب، ولسان حالهم يقول:
– يكفينا فخرا أننا من عائلة العربي.
مر المساء، وجاء الليل، ذهب الجميع إلى النوم فالغد قادم بمسؤولياته. كالعادة، استيقظ العربي، أخذ فطوره، حمل أغراض سلومته مازح عادل واستقل السيارة، وضع الأبناء بالمدرسة وعرج إلى المقهى كالعادة. طلب قهوته السوداء بدون سكر، وأخذ يرشفها بنشوة فريدة. فجأة قطع حبل تفكيره شخص، ما أن رفع عينيه إليه حتى وجده الشخص الذي زاره بمكتبه البارحة، دون أن يترك له أية فرصة لاستجماع وعيه، وضع الظرف الذي كان يحمله البارحة، ألقاه فوق الطاولة، وقال للعربي:
– خذ ما ترك لك مديرك، “أنا ولد الناس، مبغيتش ناخذ لك رزقك”، مديرك كان أقل تكلفة منك.
خرت قوى العربي، لم يكن محتاجا لنفس بل لأكثر من نفس، غادر الشخص المكان و ترك العربي غارقا في تفكيره، أي غبي كان، الآن فقط عرف سر إصرار المدير على الاحتفاظ به في مديريته. قام العربي متثاقلا، لم يستقل السيارة بل سار للعمل سيرا على الأقدام، دخل المؤسسة، لم يرد التحية على أحد، توجه نحو مكتب المدير، فتح الباب بقوة، سحب رزمة النقود من الظرف و رماها في وجه المدير:
– خذ الباقي من المهمة التي قمت بها البارحة
خرج من المكتب مسرعا تاركا الباب مشرعا، وجد حشدا من المستخدمين، خاطبهم:
– ادخلوا لأخذ نصيبكم من الصفقات.
ترك العربي المؤسسة، ومنذ ذلك الوقت لم يعد أحد يراه بالمقهى المعتاد.
محي الدين الوكيلي
راس الماء 19 يونيو 2021

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *