الزواج بين الحقيقة والوهم

حجم الخط

صوت الصحافة // حسن طليح

                الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبفضله تتنزل الخيرات والبركات والصلاة والسلام على اشرف المخلوقين واله واصحابه الغر الميامين :

        بداية اصرح بأنني أتحدث في هذا المقال بوصفي مصورا لواقع الزواج بين الوهم والحقيقة ،تاركا للفقيه مسألة التحليل والتحريم ، وللقاضي الحكم ، وللفيلسوف اقتراح الحلول، لقد كثر في الآونة الاخيرة الحديث عن مشكلات الزواج حتى صنفت فيه الكتابات والمقالات، وبحت حناجير الغيورين على مجتمعهم من التحذير مما يصاحب كثيرا من الزيجات من المشكلات والتعقيدات .

        لقد تعرضت في المقالات السابقة الى بعض العقبات وأنا اليوم بصدد الكلام عن عقبة أخرى من صميم الحياة الاجتماعية ، وتتعلق بحياة كل فرد وأسرة في المجتمع على مختلف الظروف والمستويات، وحيث كذلك انها لازالت موجودة متجددة، تتقدم الاعوام، وتزداد العراقيل، وتمضي السنوات، وتكثر العقبات، وكأن جميع الطرق والسبل سدت أمام الراغبين في الزواج. والحواجز قد وضعت في طريقهم، الا ان هذه العوائق قد تنوعت وتعددت في دروبهم، حتى ظهر الحال بمنظر ينذر بخطر العواقب وسوء المنقلب، وحتى غدت قضايا الزواج كما ترون ملحة لعلاج فوري وتصدي جدري من عامة المجتمع.

       لذا كان لابد من طرحها بإلحاح، قياما بالواجب الاسلامي والاجتماعي، وشعورا بمأساة الكثير من الشباب العاجزين عن الزواج الذين اصبحت تكاليف الزواج تمثل شبحا مخيفا لهم، وعقبة كأذى في حياتهم وهم لا يزالون يصطلون بنار الشهوة ويكتوون بلظاها، وقد تحول الزواج من سكن ومودة الى اضطراب وشحناء، لما يشتمل عليه من العادات الصعبة وقد جاءت شريعتنا الغراء بتيسير أمور الزواج والحث عن الاقتصاد فيه، روى الامام احمد رحمه الله من حديث عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما وارضاهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة).

       فلماذا الغلاء؟ اذا كان الشاب ذا دين وخلق فهو الذهب والفضة بعينهما وكذلك البنت، لا تنظروا بعين السخط ولا تتذرعوا بتأمين المستقبل بل انظروا الى قول الله عز وجل : وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم / صدق الله مولانا الكريم .

       واياكم ثم اياكم من عضل النساء وعدم تزويجهن من الاكفاء ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم : اذا خطب اليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه الا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد عريض/ رواه الترمذي وحسنه الالباني، وقال عليه افضل الصوات والتسليم : فاظفر بذات الدين تربت يداك/والظفر لا يكون الا في الغنيمة.

      ومن فرط حنو الوالدين وحبهما لأبنائهما أنه بودهم لو تمكنوا من صحبتهم في غدوهم ورواحهم حتى  يؤمنونهم اذا خافوا ويعطوهم اذا احتاجوا ويدافعون عنهم كل معتد اثيم، لكن الامنية مستحيلة فكل واحد منهم وهذا حقه يريد ان يكون ابن تجربته الحياتية، التي يراها هي الافضل أكثر مما ينصت ويتعلم من غيره، ولا تستغرق تربية أبنائنا الا سنوات معدودة من عمرهم هي التي يستمعون فيها لتوجيهنا، ولكن بعد سنوات بسيطة سيحتل المساحة مع الوالدين الاصدقاء والمدرسة والمجتمع والتجارب.

       وبناء على المعطيات والحقائق التي ذكرت انفا فإنني احاول تقديم تصور لفهم الحياة حتى تكون هذه الكلمة شارة طريق للوالدين نهديها لهم ، واباؤهم يخوضون غمار الحياة، فبعض الاباء قد خانوا الامانة التي حملوا في اولادهم فلذات اكبادهم، ذلك بمنعهم من الزواج بمن يرضونه ويختارونه تحت ضغط عوامل كثيرة فيفقد الزواج بذلك أحد أهدافة الرئيسية وهي الحصانة والعفاف ، وذلك بعدم القناعة باختيار الاهل، فتجل هذه الفتاة او الفتى معاناة أخرى قد تنتهي بالطلاق المبكر نتيجة زواج سياسي او مصلحي.

        ومن أسوأ صور العضل ايضا فرض الشباب او الشابة على احد ابناء القرابة فلا يسمح بالزواج من غيره ولو طال الامد، وهذه أنانية مفرطة تراعي اعرافا وتقاليد بعيدة عن المنهج الصحيح لهذه الرابطة الوثيقة ، وتخالف الشريعة الخالدة، لا يجوز ان يجبر أحدهم على من لا يريد ، فاذا اختار احد الشابين كفئا واختار الولي كفئا غيره يقدم الذي اختاره المتزوج. وهذا لا يعني تفرد أحد الشابين برأيه فلا بد من مشورة الوالدين والحوار معهما في القبول أو الرفض، واياك ايها الابن ان تخذل والديك وتؤذيهما بزواجك من حيث لا تدري، فان اتقيت الله في والديك فلن تكون العاقبة الا خيرا، قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه: والعقبة للتقوى/ وليس للأقوى كما يعتقد البعض، التمس ما يرضيهما فهذا امتحان لوفائك لبرك، ليس الزواج قائما على الجمال والمال فحسب كما أسلفت بل على الدين والخلق، اعرف لنفسك مكانها وحيث ما كنت فكن رجلا لا يحب ان يسمح لعواطفه ان تتغلب عليه وهو يشيد بناء صرح الزوجية.

       ومشكلة الكثير من الشباب تبنيهم لآراء وافكار والدفاع عنها وكأنها حقائق يجب التسليم بها ، وفي الحقيقة انما يجب ان تكون المصلحة مناط الاختيار، فتسويق الفكرة اكثر صعوبة من تسويق منتج ملموس، ذلك لان البشر يختلفون في دوافعهم لتبني الافكار، والله سبحانه وتعالى خلقنا متفاوتين في الذكاء والادراك وبناء على تفاوتنا في الذكاء والادراك فلا بد ان يكون هناك تفاوت في المدرك يعني الفهم، فتجد منهم صنفا عاطفيا يحتاج الى خطاب رقيق مملوء بالعاطفة الجياشة كي يقنع ويتأثر، البعض يحتاج الى خطاب عقلاني مقنع، صنف ثالث يميل الى الاقتناع بما يقتنع به الجمهور أو بما يعرف بثقافة القطيع، صنف رابع يميل الى الاقتناع بالشيء الذي يحقق له مصلحة ما وتحتاج ان تقنعه ان تضرب وتعزف على وتر المنفعة المتحققة العام منها او الخاص،

        فهل من العدل ان نولد غير متكافئين ثم نحاسب على ما وصلنا اليه في النهاية دون ان نضع في الاعتبار الفارق الشاسع بين بدايتي وبدية غيري؟ والاجابة الحاسمة لا..” فالله عادل والقدر كذلك، ان الله لم يوحد لنا جميعا نقط البدء الا ليعطي لكل واحد تعويضا مناسبا لا يستطيع رؤية هذا التعويض الا من سعى اليه.

       فدعنا أولا نتفق على ان النجاح والرقي في الحياة ليس عطية او منحة بل هو كسب يد وعرق جبين، سأقف عند هذه القضية وما ذاك الا انها قضية مهمة في تحديد مسيرة حياتنا، بل وتحديد مفاهيمها الخاطئة ليحصل التغيير وتتضح الطريق.

   فالتغيير هو عملية انتقال الى الرؤية المنشودة فهو ليس حدثا يحدث بل هو عملية تمر بخطوات قال تعالى ، ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم/ فهذه الآية الكريمة توحي بقانون صارم ثابت بحكم العلاقة بين المحتوى الداخلي النفسي للناس والتغيير من حال الى أحسن. وأهمية هذه الآيات انها توجه الانظار الى ان النفس البشرية هي ساحة التغيير الاولى وميدان التحدي الاساسي اذن فنحن مأمورون شرعا بالتحرك والتخطيط، فالله جل شأنه وعزت قدرته يستطيع بكلمة كن ان يغير كل شيء ولكنه وبحكمة منه لا يعلمها الا هو  شاء ان لا يحدث التغيير الا بجهد .

فالرسول صلى الله عليه وسلم أحب البشر الى الله خطط وتعب وضرب وكسرت رباعيته ، والله جل جلاله قال لموسى على نبينا وعليه السلام / ان يضرب بعصاه البحر/ وهل يمكن ان تشق عصا البحر ؟ وهل لها هذه القدرة الخارقة؟ هذه العملية ليس لها اي داعي من ناحية النظرة البشرية ،فالبحر سيشق بمعجزة الهية ، لكن التغيير لن يحصل الا بجهد بشري، وهذه مريم ابنة عمران عليها السلام بعد الولادة أمرها الله جل جلاله بان تهز اليها بجذع النخلة ، وانا اتحدى اي بشر كيفما كانت قواه البدنية ان يهز جذع نخلة ويقطف الثمار، لكنها الحركة ليحصل التغيير.

عزيزي القارئ نلتقي عند طريق اخر من طرق التغيير لتقليب صفحات الموضوع والخوض فيه مع عقبات اخرى سأتطرق اليها في مقال اخر ان قدر الله لنا البقاء سائلا المولى جل جلاله ان يرزقنا حسن الخاتمة انه ولي ذلك ومولاه

ذ طليح حسن

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *