العلاقة المغربية الأمريكية على مر العصور

حجم الخط

صوت الصحافة // مصطفى توفيق 

تعود العلاقات المغربية الأمريكية إلى فجر الاستقلال الأمريكي ، وهي من أقوى العلاقات وأكثرها ثراءً وتنوعًا التي تربط بين دولتين مختلفتين لمئات السنين، على الرغم من تقلب المشهد السياسي الدولي في العصر الحديث ، فقد ظلت هذه العلاقات مستقرة ، مما يعطي مثالًا مذهلاً على التعاون الثنائي القوي.
كانت الإمبراطورية المغاربية – التي تقلصت من خلال عمليات تاريخية مختلفة إلى ما يعرف اليوم بالمغرب، القوة الرائدة في شمال إفريقيا ولاعبًا رئيسيًا على الساحة الدولية لعدة قرون، حيث امتدت أراضيها في السابق على المغرب العربي وشبه الجزيرة الأيبيرية إلى فرنسا ، خاصة في عهد سلالة المرابطين في القرن الحادي عشر، و كان تأثيرها السياسي على العالم هائلاً ليس فقط بسبب جيشها القوي وسيطرتها على البحر ، ولكن أيضًا بسبب موقعها الاستراتيجي على مفترق طرق بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا.
عندما كانت أمريكا في صراع شاق من أجل الاستقلال عن بريطانيا ، كان المغرب أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية بمرسوم من السلطان محمد بن عبد الله بتاريخ 20 ديسمبر 1777، كما منح المغرب على الفور السفن الأمريكية الإذن بـالتجول بحرية في الموانئ المغربية بالطريقة نفسها التي كانوا يفعلونها في السابق تحت العلم الإنجليزي، و
مباشرة بعد هذا الاعتراف الذي تمس الحاجة إليه جاء توقيع معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية ، مما يشير إلى بداية العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، حيث تم التفاوض على المعاهدة من قبل توماس باركلي والسلطات المغربية ووقعها الرؤساء الأمريكيون المستقبليون جون آدامز و توماس جيفرسون في عام 1786، هذه المعاهدة التاريخية التي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم ، هي الأولى بين أي دولة عربية أو أفريقية أو مسلمة مع الولايات المتحدة ، وتظل أطول معاهدة أمريكية لم تنقطع مع دولة أجنبية.
الرسالة التي كتبها جورج واشنطن عام 1789 إلى إمبراطور المغرب ، السلطان محمد الثالث (سيدي محمد بن عبد الله) ، بعد التوقيع على معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية ، تتحدث عن الكثير من تقدير واشنطن الكبير لسلطان المغرب ، واصفاً إياه بأنه “الصديق العظيم ” ، وشكره على جهوده الدبلوماسية ووساطته للإفراج عن الأسرى الأمريكيين في تونس وطرابلس، حيث كتب جورج واشنطن:
“لقد تلقيت أيضًا الرسائل التي تفضل جلالتكم بكتابتها ، لصالح الولايات المتحدة ، إلى تونس وطرابلس ، وأقدم لكم خالص الشكر ، وشكرًا للولايات المتحدة ، لهذه العلامة الهامة لصداقتكم لهم (إشارة إلى الولايات المتحدة).
واستمر جورج واشنطن في طمأنة سلطان المغرب أنه ، كعمل من أعمال الامتنان والتقدير ، سيبذل قصارى جهده لتعزيز العلاقات المغربية الأمريكية طالما بقي في السلطة، حيث كتب: “يسعدني أن تتاح لي هذه الفرصة للتأكيد جلالة الملك ، أثناء بقائي على رأس هذه الأمة ، لن أتوقف عن الترويج لكل إجراء قد يؤدي إلى الصداقة والانسجام ، اللذين يسعدان بسعادة بين إمبراطوريتكم وإمبراطوريتنا (أي الولايات المتحدة الأمريكية ).
أعطت هذه التبادلات المبكرة العلاقات الدبلوماسية والتجارية المغربية الأمريكية دفعة قوية، و سمح المغرب للسفن الأمريكية بالإبحار على طول الساحل المغربي دون أي قيود، علاوة على ذلك ، تم إعفاء السفن الحربية الأمريكية المبحرة في المياه المغربية القريبة من الفحص من قبل المسؤولين المغاربة، هذه الإجراءات السخية التي منحها السلطان المغربي لدولة الولايات المتحدة المستقلة حديثًا تركت انطباعًا عميقًا على توماس باركلي ، الذي كان المفاوض الأمريكي الرئيسي حول معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية، حيث اعترف باركلي أن سلطان المغرب كان “رجلاً عادلاً ، وفقًا لفكرة العدالة هذه ، ولديه شجاعة شخصية كبيرة ، وليبرالي إلى حد ما ، ومحب لشعبه ، صارمًا وصلبًا في توزيع العدالة.
عند وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله عام 1790 ، خشي الأمريكيون من أن ينهي خلفاؤه المعاهدة التي كانوا في أمس الحاجة إليها ليكون لديهم حليف موثوق به، ومع ذلك ، لم يخرق السلطان مولاي اليزيد (الذي حكم لمدة عامين فقط) ولا شقيقه السلطان مولاي سليمان المعاهدة التي وقعها والدهما مع الأمريكيين على الرغم من حقيقة أن مولاي سليمان وضع سياسة احترازية للغاية وأنهى ثماني معاهدات من أصل 11 مع الدول الأجنبية ، وخاصة مع الدول الأوروبية، و اتبع خطى والده في سياسته مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وكما قال مولاي سليمان القنصل الأمريكي في جبل طارق لجيمس سيمبسون: “نحن في سلام وطمأنينة وصداقة معكم بنفس الطريقة التي كنت بها مع والدنا. . . . أجد أن الأمريكيين هم الأمة المسيحية والدي الذي في المجد والأكثر احترامًا، أنا معهم مثل والدي ، وأثق بأنهم سيكونون معي.
لتجسيد حسن نيته تجاه الولايات المتحدة ، أهدى السلطان مولاي سليمان موقع ما يعرف الآن باسم معهد طنجة الأمريكي للدراسات المغربية (TALIM) إلى الولايات المتحدة في عام 1821، و يعتبر هذا المعلم التاريخي أول وأقدم أمريكي- الممتلكات الحكومية المملوكة على أرض أجنبية. في البداية ، كانت بمثابة القنصلية الأمريكية في المغرب ، لكنها أصبحت فيما بعد موطنًا للمفوضية الأمريكية في طنجة، حيث تم تسجيل هذه التحفة المعمارية ذات التصميم المغاربي المميز للغاية في السجل الوطني للأماكن التاريخية في 8 يناير 1981 وتم تعيينها كمعلم تاريخي وطني في 17 ديسمبر 1982، واليوم تعمل كمركز ثقافي ومرفق بحثي للغة العربية والأمريكية دراسات ومكتبة ومتحف ومركز تعليمي يستضيف سنويا آلاف الزوار المغاربة والأجانب من مختلف أنحاء العالم .
أسفرت الأسس المتينة للعلاقات المغربية الأمريكية من قبل الآباء المؤسسين الأمريكيين والنظام الملكي المغربي عن العديد من التعاون الثنائي المثمر والتشاور في مسائل الاقتصاد والسياسة والتبادل الثقافي.
أرسل المغرب سفراء ودبلوماسيين إلى الولايات المتحدة منذ عام 1860 (السفراء سيد الحاج إدريس وسيدي البرنوصي وعبد القادر)، حيث سهّل هذا التبادل للبعثات الدبلوماسية بين البلدين تنقل الأشخاص عبر المحيط الأطلسي وفتح طرق ومسارات أخرى للزيارات غير الرسمية التي سمحت للقاءات بين المهتمين  بالثقافات، حيث أصبحت البهلوانية والراقصون وفناني الأداء وغيرهم من الفنانين المغاربة شائعة على نطاق واسع في السيرك والمعارض الأمريكية في وقت مبكر من عام 1847 مع وصول الحاج نصار وفيز أشغاير وحجي عمر نيتامو وفرقهم البهلوانية إلى الأراضي الأمريكية.
جلب هؤلاء السفراء الثقافيون العديد من جوانب الثقافة المغربية الغريبة إلى صناعة الترفيه الأمريكية، وعملوا كوسطاء ثقافيين بين جانبي المحيط الأطلسي، حيث ينخرط كتاب لحسين سيمور “استرجاع التاريخ وراء الحدود” بمهارة في استعادة أصوات هؤلاء الفنانين المغاربة المحترفين في أمريكا من خلال تسليط الضوء على رحلاتهم التي يلقيها التاريخ الرسمي بالنسيان والإهمال.
واليوم ، يعتز المغرب بالموقف المتقدم لحليف رئيسي من خارج الناتو في علاقاته مع الولايات المتحدة بموجب مرسوم القرار الرئاسي رقم 2004-35 الصادر في 3 يونيو 2004 بعد أيام قليلة من هذه القفزة الكبيرة في العلاقات المغربية الأمريكية، وقع البلدان اتفاقية التجارة الحرة الأولى للولايات المتحدة مع دولة أفريقية في 15 يونيو 2004 ، لإزالة الحواجز التجارية وتحسين الفرص التجارية بين البلدين.
يعد المغرب أيضًا شريكًا عسكريًا للولايات المتحدة ومضيفًا لأكبر تدريب عسكري شامل يشمل القوات الأمريكية في القارة الأفريقية ، والذي يُعرف باسم تمرين الأسد العسكري الأفريقي، و يهدف هذا التدريب العسكري المشترك إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني للدول الشريكة لمكافحة التهديدات الإقليمية مثل الإرهاب ، والقيام بعمليات السلام في مناطق الصراع ، والحفاظ على الأمن عبر الحدود ، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
في تطور حديث ، اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على “كامل أراضي الصحراء المغربية” في إعلانه الرئاسي الصادر في 11 ديسمبر 2020. غرد ترامب: “اعترف المغرب بالولايات المتحدة عام 1777. ومن المناسب بالتالي أن نعترف بسيادتهم على الصحراء المغربية.” هذا الاعتراف الذي تشتد الحاجة إليه من قبل قوة عظمى على المسرح الدولي اليوم من شأنه أن يخدم بالتأكيد موقف المغرب الثابث من الصحراء المغربية، و اليوم، و بموجب الاتفاق المغربي الإسرائيلي ، بوساطة دونالد ترامب ، اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء ، وأعلنت عن فتح قنصلية في مدينة الداخلة المغربية، وجددت دعمها لخطة الحكم الذاتي باعتباره الحل السياسي الوحيد لنزاع الصحراء، كما وعدت باستثمارات في الصحراء المغربية، حيث جاءت تزكية هذه الأنباء بعد تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بتاربخ 20 يناير 2021، بمثابة صفعة قوية في وجه النظام الجزائري وأتباعه في جبهة البوليساريو ونظام  جنوب افريقيا الذين رعوا الأمل الزائف في أن يتراجع بايدن عن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء المغربية.
إن نظام جنوب افريقيا و النظام الجزائري و السابحين في فلكه، أصبحوا يدركون الآن و أكثر من أي وقت مضى أن العلاقات المغربية الأمريكية، علاقات قوية و ثابثة بدأت باعتراف المغرب باستقلال أمريكا بتاريخ 20 ديسمبر 1777 و توطدت رسميا بتاريخ 1787 عندما صادق الكونغرس الأمريكي على مر العصور على معاهدة السلام والصداقة بين المغرب و الولايات المتحدة الأمريكية 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *