ثقافة

أقدم محلبة قرب سينما الأطلس بالدار البيضاء… حكاية عصير «غراف» الذي لا يُنسى

بقلم : خالد أمين

بقلم : خالد أمين

 

 

 

في قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وعلى بُعد خطوات من المعلمة السينمائية العريقة سينيما الأطلس، تقف محلبة قديمة صمدت في وجه الزمن، وحافظت على مكانتها في ذاكرة البيضاويين جيلاً بعد جيل. ليست مجرد محل لبيع الحليب ومشتقاته، بل مؤسسة شعبية صنعت لنفسها مجداً خاصاً بفضل مشروب واحد أصبح علامة مسجلة: عصير «غراف».

ذاكرة مكان… ونكهة زمن جميل

منذ عقود، شكّلت المنطقة المحيطة بسينيما الأطلس نقطة التقاء للطلبة والموظفين ورواد السينما. هناك، كانت المحلبة الصغيرة تستقبل زبائنها بابتسامة دافئة وكؤوس زجاجية باردة، في زمن لم تكن فيه العلامات التجارية الكبرى قد اجتاحت المشهد الاستهلاكي.

كان عصير «غراف» يُحضّر أمام أعين الزبائن، بمكونات بسيطة لكن متقنة: فواكه طازجة، لمسة حليب متوازن، وسر مهني ظل محفوظاً لدى أصحاب المحل. مذاقه الكثيف والمنعش جعله يتفوق على غيره من العصائر التقليدية، حتى صار اسمه مرتبطاً بالمكان ذاته.

«غراف»… سر الشهرة والاستمرارية

لا أحد يجزم بأصل تسمية «غراف»، لكن المؤكد أن الاسم أصبح جزءاً من الثقافة المحلية للحي. كثير من الزبائن القدامى يؤكدون أن الطعم لم يتغير رغم مرور السنوات، وأن الجودة ظلت ثابتة رغم تغير الأسعار وتبدل الظروف الاقتصادية.

المحلبة لم تعتمد يوماً على حملات دعائية أو وسائل ترويج حديثة، بل بنت سمعتها على ثقة الزبائن. كان التوصية الشفوية كافية لجذب الوافدين الجدد، خصوصاً القادمين من أحياء بعيدة لاكتشاف سر هذا العصير الذي يتحدث عنه الجميع.

فضاء بسيط… وروح أصيلة

الديكور ظل محافظاً على طابعه التقليدي: واجهة زجاجية، طاولات معدنية، وصور قديمة تروي تاريخ الحي. هذا البساط لم يكن نقطة ضعف، بل كان جزءاً من سحر المكان، حيث يشعر الزائر بأنه يعود إلى زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أبسط وأكثر دفئاً.

العمال، الذين تعاقبوا على خدمة الزبائن، حافظوا على نفس الروح: سرعة في الأداء، احترام في التعامل، وحرص دائم على نظافة المكان وجودة المنتجات.

بين الماضي والحاضر

في زمن المقاهي العصرية والمطاعم الراقية، ما زالت هذه المحلبة تحتفظ بمكانتها، متحدية موجة التحديث التي غيّرت ملامح المدينة. إنها ليست مجرد محل تجاري، بل شاهد حي على تحولات الدار البيضاء الاجتماعية والثقافية.

يبقى عصير «غراف» أكثر من مجرد مشروب؛ إنه طقس يومي للكثيرين، وذكرى جميلة لآخرين، وعنوان لوفاء مدينة لا تنسى أماكنها الأصيلة.

وهكذا، تظل المحلبة القريبة من سينيما الأطلس رمزاً من رموز البساطة البيضاوية، وحكاية نجاح صنعتها الجودة، وحفظتها الذاكرة الشعبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى