
بقلم : خالد أمين

يُعدّ منصف مالزي واحدًا من الأصوات الإخراجية التي تراهن على السينما كفن تفكير قبل أن تكون أداة ترفيه. في أعماله، لا تبدو الصورة عنصرًا مكمّلًا للحكاية، بل هي الحكاية نفسها، محمّلة بالمعنى، ومفتوحة على التأويل.
ينطلق مالزي في تجربته السينمائية من اهتمام عميق بالإنسان، بعلاقته بالمكان والذاكرة والتحوّلات الاجتماعية المحيطة به. شخصياته غالبًا ما تتحرّك في فضاءات مألوفة، لكنّها تعيش صراعات داخلية معقّدة، يقدّمها المخرج بهدوء وبعيدًا عن الميلودراما أو الخطاب المباشر.
أسلوبيًا، يميل منصف مالزي إلى لغة بصرية متقشّفة، تعتمد على إيقاع محسوب، ولقطات طويلة تسمح للمشاهد بالتأمّل والانخراط في الجو العام للفيلم. الكاميرا لديه ليست متعالية على الشخصيات، بل قريبة منها، تراقب وتُنصت أكثر مما تفرض رأيًا. هذا الخيار الفني يمنح أعماله صدقًا وعمقًا إنسانيًا واضحين.
أما على مستوى الموضوعات، فتتكرّر في سينماه أسئلة الهوية، والانتماء، والاغتراب، في سياق يعكس تحوّلات المجتمع وتناقضاته. وهو في ذلك لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفضّل طرح الأسئلة وترك مساحة للمشاهد ليبني قراءته الخاصة.
يواصل منصف مالزي مساره الإخراجي بثبات، مستندًا إلى رؤية فنية واضحة وإيمان بدور السينما كأداة للوعي والجمال معًا. ومع كل تجربة جديدة، يرسّخ حضوره كمخرج يشتغل على التفاصيل الصغيرة ليصل إلى القضايا الكبرى، مؤكدًا أن السينما الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمَع.



