أعمدة الرأي

كلام الناس الغيوان: صوت الشعب وداكرة الاحتجاج

بقلم: خالد أمين

 

 

 

 

بقلم :  خالد أمين

 

 

تُعدّ مجموعة ناس الغيوان من أبرز الظواهر الفنية في المغرب والعالم العربي، ليس فقط لما قدّمته من ألحان وإيقاعات مميّزة، بل أساسًا بسبب كلام أغانيها الذي تحوّل إلى خطاب ثقافي واجتماعي عميق، عبّر عن هموم الناس وأسئلتهم الوجودية في فترات تاريخية دقيقة.

 

منذ ظهورها في أواخر ستينيات القرن الماضي، خرجت ناس الغيوان عن السائد في الأغنية المغربية. لم يكن كلامها ترفيهيًا أو عاطفيًا بالمعنى الضيق، بل جاء مشحونًا بالرمز، مستمدًا لغته من التراث الشعبي المغربي: الملحون، الحكم، الأمثال، والتعبيرات الصوفية. هذا الاختيار جعل كلماتها قريبة من عامة الناس، وقادرة في الوقت نفسه على تمرير رسائل عميقة دون مباشرة أو خطابية.

 

كلام ناس الغيوان هو كلام سؤال قبل أن يكون كلام جواب. أسئلة عن الحرية، الظلم، الغربة، الموت، الإيمان، والهوية. وقد استطاعت المجموعة أن تعبّر عن معاناة الإنسان البسيط بلغة شاعرية، تختزل الألم الجماعي في صور بسيطة لكنها مؤثرة. لذلك شعر المستمع أن الأغنية تحكي عنه، وعن يومه، وعن خوفه وأمله.

 

كما اتسمت كلمات الأغاني بنَفَس احتجاجي هادئ. لم ترفع شعارات سياسية مباشرة، لكنها انتقدت الواقع الاجتماعي بأسلوب رمزي ذكي، ما منحها قدرة على الاستمرار والتأثير عبر الأجيال. فالكلام الذي كُتب في سياق تاريخي معيّن ظل صالحًا للتأويل في أزمنة مختلفة، وهو ما يفسر عودة الشباب اليوم إلى الاستماع لناس الغيوان واكتشافها من جديد.

 

ومن أهم ما يميّز كلام ناس الغيوان هو البعد الإنساني. فالمواضيع التي تناولتها لا تخص المغرب وحده، بل تلامس الإنسان في كل مكان: القهر، البحث عن المعنى، الصراع مع الذات، والتوق إلى العدالة. هذا البعد الكوني ساهم في انتشار المجموعة خارج حدود المغرب، وجعلها تحظى بتقدير فنانين ومثقفين عرب وأجانب.

 

في المحصلة، لم يكن كلام ناس الغيوان مجرد نصوص مغنّاة، بل كان وثيقة ثقافية ومرآة لمرحلة تاريخية، وصرخة فنية صادقة خرجت من قلب المجتمع. لذلك بقيت كلماتها حيّة، تتردّد في الذاكرة الجماعية، وتؤكد أن الأغنية يمكن أن تكون فعل وعي، لا مجرد صوت عابر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى