
بقلم : خالد أمين
في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتتشابك فيه منابر التعبير، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى صحافة مهنية تمارس دورها الحقيقي في التنوير والمساءلة، صحافة تُحسب لها الألف حساب لأنها تعرف قيمة الكلمة وتأثير المعلومة ومسؤولية الخط التحريري.
لقد أصبحت الساحة الإعلامية اليوم تعاني من ظاهرتين خطيرتين: السخافة بمعنى الفوضى والعشوائية، والتفاهة التي تُفرغ المحتوى من مضمونه وتحوّل الرسالة الإعلامية إلى مجرد ضجيج. بين هاتين الظاهرتين تضيع الحقيقة، وينحسر دور الإعلام في صناعة الوعي.
الفرق بين الصحافة… والسخافة
الصحافة ليست مجرد نشر أخبار، بل هي التزام بقواعد البحث والتدقيق، واحترام للقارئ الذي يبحث عن معلومة موثوقة وتحليل رصين. أما السخافة فهي نقيض المهنية، تعتمد على الإثارة المجانية بدل التحقيق، وعلى العشوائية بدل التوثيق، وعلى سرعة المحتوى بدل جودته.
التفاهة وصناعة اللاشيء
أخطر ما يواجهه الإعلام اليوم هو التطبيع مع التفاهة، حيث يتم التركيز على مواضيع سطحية تافهة بدلاً من القضايا الجوهرية التي تهم المواطن. تتحول المنابر إلى مساحات للترفيه الفارغ، فيما تغيب القضايا الاجتماعية، والملفات الاقتصادية، والتحقيقات الاستقصائية التي تُعدّ العمود الفقري لأي مؤسسة صحفية محترمة.
الإعلام الجاد… مسؤولية وأمانة
الصحافة المهنية ليست ترفاً، بل ضرورة لبناء مجتمع واعٍ قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف. إنها مدرسة أخلاقية قبل أن تكون وسيلة تواصل، ومؤسسة تحترم ذاتها قبل أن تبحث عن الربح أو الشهرة. وفي ظل الانتشار الكاسح للمنصات الرقمية، يصبح الالتزام بالمعايير المهنية شرطاً لبقاء الصحافة ودورها التنويري.
خاتمة
إن احترام المتلقي، وتحصين المجتمع ضد الشائعات، ورفع مستوى النقاش العمومي، كلها مهام لا يمكن أن تتحقق إلا عبر إعلام مسؤول، يرفض السخافة والتفاهة، ويؤمن بأن الصحافة الحقيقية هي سلطة رابعة تقوم على النزاهة، وتعيش لأجل الحقيقة، وتدافع عن مصلحة المواطن قبل كل شيء.


