أعمدة الرأي

التلــوث اللفــظي في المغرب تيار اجتماعي أم ظاهرة مرضية؟

صوت الصحافة // اليزيد الفحل – إعلامي

لعلّ الحديث في الشارع المغربي يدور حول التّلوّث اللّفظي والأبعاد الخياليّة التي اتّخذها في المغرب يعدّ من باب التّكرار الممجوج. فهل يعني ذلك وجوب التّطبيع معه والتّعامل بشأنه كمعطى من معطيات الحداثة بالصّوت والصّورة في اليومي المغربي؟ إذ أنّ الأمر ذهب بالبعض إلى تبريره من منظور علم النّفس الاجتماعي وأرجعه إلى سنوات القمع وهيمنة ثقافة النّفاق والتّابوهات الاجتماعيّة التي كادت أن تكون خطيرة، إلى درجة أنّ من يستنكر هذا التّلوّث أصبح ينعت بالمتخلّف و»القديم« حسب تعبير »المتفهّمين« لهذا النوع من التّلوّث. على أنّ فرقا كبيرا يتجلّى بين تشخيص الظّاهرة ومحاولة فهمها بالمنطق وربّما البحث عن حلول ايجابية لمعالجتها جدريا، من جهة ومن جهة أخرى، الإقرار بمشروعيّتها والتّسليم بوجودها والتّعامل معها بشكل طبيعي.

الظاهرة انتقلت من الشّارع المغربي الذي يمكن أن نفهم أنّه مكانها الطّبيعي، إلى الفضاءات العموميّة من مستشفيات ومقاه ومحــلاّت تجــــاريّة وفضاءات إداريّة وحتّى الفضاء الأسري، عن طريــق قنــــوات اليوتيوب المسمــــوعة والمرئيّة وشبكات التّواصل الاجتماعي.

ذخيرة حيّة من الألفاظ السّوقيّة أصبحت تلازم المغربي منذ السّاعات الأولى من اليوم، صباحا مساء وعلى امتداد الأسبوع وأحيانا يوم الجمعة في محيط الجوامع وهي تستعدّ لقبول المصلّين وبثّ كلمات التّوادد والرّحمة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكربل للأسف نرى عكس الصورة تغير جدري لتصبح الظاهرة تعيش داخل عقولنا.

والأنكى أنّ مسبّبات هــــذه الألفاظ عـــادة ما تكون بدون مبرّر حقيقيّ لها وأنّ الدّافع الفعلي هو استعراض القدرة على الاحتجاج وعلى فرض «الحرّيّة» الذّاتيّة: حرّيّة التّعبير وفرض الرّأي. وغالبا ما يكون الرّأي مخالفا للأعراف والقوانين القائمة.

الغريب في الأمر أن هناك مقاربة قانونيّة للتّلوّث السّمعي بمقياس بالدّيسيباليّة العلميّة، على أنّها ليست متبوعة بالتّنسيق الأمني والمراقبة التي يفترض أن تتابعها وتسهر على تطبيق القانون وردع المخالفين له. وليس أدلّ على ذلك من التّسيّب الذي نعاينه على امتداد الموسم الصّيفي والذي يطلق لمضخّمات الصّوت العنان إلى ساعات الفجر. فأين نحن من «العاشرة احترام الجار، العاشرة احترام النّائم ومن احترم غيره فقد احترم نفسه»؟ فأين نحن من « ردع أبنائنا, وتربيتهم تربية حسنة. » فأين نحن وأين وأين؟

المقاربة التي لم يتعرّض لها القانون المغربي هي مقاربة الثّقافة السّمعيّة البصريّة التي علّمتنا إنسانيّات الدّراسة أن نحترمها ونقرأ لها حسابا في علاقاتنا الأسرية والاجتماعيّة.

هل إنّ الهبّة ضدّ الدّكتاتور طوت في جنباتها هذه الثّقافة فأفلتت منها معايير الحياء من الإساءة للغير ومن مواجهته باللّفظة النّابيّة كبديل للكلمة الراقية والتّحيّة التي تذوّب جليد الجفاء والعنف فتحضر الأعذار ويتبيّن حقّ كلّ طرف ومعه حدود حرّيته مقابل حرّيّة الطّرف المقابل؟ وهل من المنطق استحضار الحرّيّة الفردية أو الجماعية في مقام العنف والهجانة والقبح؟ أفليس للحرّيّة مستندات؟ وهل للعنف اللّفظي المعنوي أو العنف المادّي مستندات يمكن أن نستحضر معها مصطلح الحرّيّة؟ إنّما الأمر يتعلّق بغياب المبرّرات وهو الوحيد المبرّر لسوق الأصوات الصّارخة التي سادت مرئيّاتنا وسمعيّاتنا وحتّى منابر مساجدنا المتواجد في الأحياء وفضاءات تعليمنا من الابتدائي إلى الثانوي، وصولا إلى الجامعي. ومن البديهي أن ينسحب هذا التّيّار الخطير وينساب جارفا معه قيم الحوار الرّاقي وقيم الاستقامة في تعاملنا مع المحيط اللّفظي لثقافتنا ولهويّتنا. القيم النّاجية من تيّار الهبّة ضدّ الدّكتاتور؟ هي الفساد والابتزاز والانفلاتات بكلّ أنواعها: الإعلاميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة … وهي التي كوّنت البيئة المثلى للتّلوّث بكلّ أنواعه على السّلامة الثّقافيّة وعلى نقاوة الهويّة الإنسانيّة: التّلوّث اللّفظي الذي سمّم التّعامل بين الأفراد والجماعات وتشكّل في هيئة فيروس أكثر من فيروس كورونا  ينخر الخطاب الجمعي مدركا حتّى الخطاب السّياسي الذي تنكّر لقيم التّعقّل ولأيّ مقياس من مقاييس اللّياقة والنّزاهة والتّعفّف. إنّه زمن خطاب «الفتوّة» لا في معناها الدّرامي ولكن في معناها الأخلاقي والسّلوكي الاجتماعي.

وبالتّالي فإنّ المستفيد الواحد من انتشار الثلوّث اللّفظي هو الإنتاج الثّقافي الضّحل من فنون وبرامج فرجويّة تندرج في خانة الاستعمال الوحيد والتي تسعى جاهدة إلى نسف كلّ أثر للمعنى الفكري لتعوّضه بالكليشيهات والنّكت البذيئة وبلغة السوق وبزخم من المواقف والمشاهد التي لا يتحكّم فيها المعنى بقدر ما تسوسها الحواسّ البهيميّة البدائيّة.

قد يذهب بنا الظّنّ إلى أنّ هذا العارض من التّلوّث اللّفظي قد يصادف مرحلة آنومية (une phase anomique) وهي مرحلة عادة ما تتبع النّقل الكبرى في الحضارات والثّقافات فتعيد النّظر في القيم والمفاهيم التّقليديّة لتصوغ بدائل عنها تتوافق مع الأنساق الاجتماعيّة الجديدة. إلاّ أنّ هذا التّشخيص لا يستقيم إذا ما اعتبرنا الجانب الهمجي والارتجالي لظاهرة الهجانة اللّغويّة أو التّلوّث اللّفظي. فهي لا تعتبر، سوسيولوجيّا، تيار اجتماعي بقدر ماهو ظاهرة مرضيّة نفسية ناتجة عن فهم خاطئ للحرّيّة وللانعتاق من نير الدّكتاتور. وما يؤكّد طابعها المرضي النفسي أنّها مصحوبة بتخلّف في ثقافة العمل وقيمه ومدلولاته. فبقدر ما تتقوّى مؤشّرات التّلوّث اللّفظي، بقدر ما تنقص الحماسة في العمل الجاد ويتصاعد الجنوح إلى الاعتصامات والاحتجاجات التي تصبح لقمة سائغة «لموائد» الإعلام بكل أصنافه تتلقّف فيها أقوى عبارات الهجانة والعنف والسّباب والثّلب. وهكذا تتشكّل الظّاهرة وتتفشّى وتعمّ لتصبح البيئة ملوّثة تلوّثا تامّا سمعيّا وبصريّا ومادّيا دون ايجاد حل لإيقاف هذه المهزلة التي ستسبب مشكلا كبيرة لتغير ثقافة مجتمع عريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى